Go Home

دعنــي أمــــوت ثالثــــه

<<Back

By: واصــف مقلّــد  



Page 32 Profile News USA Edition Dec-08 بروفايل نيوز

دعنيِ أموت ثالثة

 
ماذا لو زرت قبر جدّي؟ ماذا لو أيقظته وأخبرته بأن الماء والكهربــــــاء دخلا كــل بيت ولا حاجة لنا بعد اليوم لا للشمعة المعطاء ولا للقنديل الصديق؟ ماذا لو قلت له بأن عين الضيعـة حزينة، فهي لم تعد تقبِّل وجوه صباياها منذ فترة، و لم تأنس أذانها بأصوات جرارهنّ منــــذ زمن بعيد، وماذا لو أخبرته بان الرحلة بين لبنان وأميركا تستغرق نصف يوم ولم يعد هنـاك حاجة للباخرة فكتوريا ولا لثلاثة أشهر في مصارعــــة الأمواج لكــي نصـــل الى جزيـــرة ألسِ أيلاند في النيويورك؟

 لا أستطيع تنبّؤ ردّة فعله، ربما يبكي فرحاً، ربما يغضب وتتطاير شهب الخيبة من عينيـــــه لان حفيده كاذب من الطراز الأول، أو ربما يقذفني بإحدى بلاطات ضريحه ويغمض عينيـه ويتمتم: "دعنيِ أموت ثانية".هذا شيء بسيط مما اّلت إليــه التكنولوجيــــا في عصرنـــا من إختراعاتٍ ونعمٍ وتسهيلات.

 
لازلت أذكر عندما وطأت أرض هذه البلاد، منذ ثلاثين عامــاً، وبعثت رسالـــة الى الأهـــل والأصدقاء، و"سرعان" ما أتاني الردّ المنتظر على فــــارغ من الصبر، ولكـــن بعد شهـــر ونصف الشهر لا أكثر. لازلت أذكر عندما كنت أتطلّع الى ألتحدّث مع والـــدّي لكـــي أنسج عباءة من حنان أصواتهما ولكي يشعران بالعزم والمثابرة في صوتي فيرتاح بالهما. والاّن، لم تعد والدتي الثمانينيّة تكتفي برسالة كسابقاتها، بل تصرّ على الجلوس أمــــــام الكمبيوتـــر وكاميرة "وب كام" لتراني وتتحدث معي، ويا للويل إن أحسّت بــأن وجهـــي هزيـــل أو أن عيناي مثقلتان، لأكفهّر وجه الشاشة ورأيت الومض في عينيها وسمعت القصف في كلماتها، وراحت تمطر عليّ وابلاً من النصائح في المأكل والنوم.
 
ناهيك عن عالم الكمبيوتر واإنترنيت والمعلوماتية، فمنذ عشر سنوات لا أكثــر كنت أحمـــل "مكتبي" مــن والـــى البيت في محفظتي الـســـوداء، وكـــم عانت يــــداي من حمـــل مئــات الأوراق في داخلها. وكم كنت سعيداً عندما رميت بمحفظتي في سلـــة النسيان واستبدلتهــــا "بفلاش ميموري" صديقتي الجديدة في عالم التكنولوجيات، تلك الصديقة التي لا يتجــــــاوز وزنها العشرين غراماً ومساحتها بضع السنتيمترات.

 هل سمعت بإجراء بعض العمليات الجراحية بين لندن ونيويــــــورك عبـــر "الروبــــــاط" الإلكتروني؟ وعن الأقمار الإصطناعية التي ترصد حركة "النملة" على وجه الأرض ؟

 لازال الكمبيوتر يتطور ويتضاعف كل تسعة أشـــهر، حتى أن ســيارة "فورد" تحتـــوي الاّن على الكترونياتٍ تضاعف الكترونيــات اول ســفينة فضائيــة في الســتينات، واّلة "الـ جي بي اس" التي أغنتنا عن خرائط العالم وعن الأسئلة الأستعلاميّة خلال رحلتنا الى مكان ما.

 

"والمحمول"؟ تلك الالة السحرية التي غدت كمبيوترا بحد ذاتها، من خلالها انت على إتصال دائم مع رسائلك الإلكترونية وأخبار البورصة والعالم، حيث لم تعد بحاجة لان تحمل كاميرة حول عنقك خلال رحلاتك السياحية، وماذا لو فرغ هذا المحمول من طاقته المخزنه خـــلال وجودك في مكان حيث لا يوجد كهرباء؟ فما عليك إلا أن تعيد شحنــــه بواسطـــة الشمس او حركة الجسم الذاتية عبر شريط نحاسي دقيق يمتد من كاحلك الى المحمـول فيستمد الأخيـــر طاقته من الطاقة التي تولدها حركة المشي، ماذا لو أردت رؤيـــة مكان ما في أية بقعة مـــن بقاع العالم، أتذهب لرؤيتها مباشرة أم تستنجد بـ "غوغل إرث" لتراهـــا وانت جالـــس على كنبتك المفضلة؟ سيأتي اليوم، وليس بعيــداً، الذي يصبح فيـــه الكمبيوتر بحجم حبـــة عنب، وسيأتي اليوم الذي نتلقى فيه مكالمة هاتفية وتبدو صورة المتكلم معه فــي الهـــواء أمامنـــا، وسيأتي اليوم الذي نؤنسن فيه الكمبيوتر ليتحدث معنا فلا يعود لنا حاجة للأصدقاء. ويقرأ لنا فنهمل الكتاب، ويفكر عّنا فنرمي بعقلنا جانباً، ويطهــو الطعام لنــــا فنمزّق أوراق أمهاتنــــا المطبخية وأغنى تجاربهنّ ، سيغدو الكمبيوتر واسطــة التحدث مع العائلــــة تحت الســـقف الواحد. أفلا نستنجد اليوم بالكمبيوتر للتعرف على الجنس الاّخر من أجل الزواج؟

 
أنا لست هنا في صدد تعديد ميزات الكمبيوتر التي نعرفها جميعاً، ولكنني أسجّل ملاحظـــــة حذر من هذه الاّلة العملاقة، حيث أخشى أن يأتي يوم يسيطر فيه الكمبيوتر على تصرفاتنـــا ومشاعرنا وإنفعالاتنا، فيلهينا عن التواصل الحي مع الاخرين، وبهذا تتفكك أواصر الأسرة، وتستنفر كلمة الصداقة في قاموسنا لترحل عنه، وتُفرّخ الكتب أجنحة لتطير الى عالم ثـــــان لتكسب إحترام مجتمعاته، أخشى اليوم الذي تحمل فيه النساء بواسطة الكمبيوتـــــر ويغــــدو لأطفالنا أسماء الكترونية، أخشى اليوم الذي يصبح اسمنا عدداً، ولا همّ إذا كان هــذا العـــدد عربياً أو رومانياً، وأخشى اليوم الذي تغدو فيه قلوبنا اّلة نحرِّك بواسطتها مشاعرنا، فهـــذا زر الفرح وهذا زر الترح وذاك زر المشاعر الرتيبة المبتذلة، ولـــو حصل ذلــــك لأضحت بداية الحضارة ونهايتها، زهوها ودمارها في يد الكمبيوتر والتكنولوجيا، عندها سيفتح جـدّي عينيه ويتمتم: بالله عليك "دعنيِ أموت ثالثة".


Adidas Gazelle pulseras pandora zapatillas converse ropa hollister Zapatillas puma zapatos jordan nike shox nike air max mujer joyas tiffany nike huarache polo ralph lauren Zapatillas adidas air max zapatos louis vuitton Adidas Superstar Zapatos adidas zapatos christian louboutin bolsos michael kors nike air max nike roshe


Website created and hosted by Reggie's PC Resources, LLC