Go Home

تسعون يـوما في لبنــان

<<Back

By: واصــف مقلّــد  



Page 42 Profile News USA Edition March-08 بروفايل نيوز
 
 
 
  
                     تسعون يومــاً في لبنــان
 
 
 
كــل ليلــة ، تحملني ذكريــات الطفولـة على جناحهـا المخملي الى أحضان الوطـن لأتفقد الأهل والأصحاب، ثم تعود بي الى سريري قبل أن تفتقدني الغربة وتُسلّط عليّ وحوش الوحشة والوحدة.

في شهر تشرين الثاني قررت زيارة الوطن بعد غياب دام أكثر من ثلاثين سنة في ديار الإغتراب، وبالتحديد في مدينة بوسطن الأميركية.

هنــاك فـوق الأطلسـي المغــرور، أغمضت عينـي رغما عنه، وفتحـت شــباك الذاكــرة لأستبق الطائرة وأتفقـد الوطن شبراً شبرا.

لم يعكّر صفو رحلة الخيال هذه سوى بعض المطبات الهوائية والتي طالمـا أرجعتني الى الوراء ثلاثين عامـاً لتذكرني بإرتجاجات أصوات القذائف في بيروت، قذائف الحقد والبربرية والوحشية.

وصلنا مطار لندن، ومن هناك إستقلينا طائرة الشرق الأوسط بإتجاه بيروت، ساعات خمس تفصل بين الغربة والوطن، وما أطولها من ساعات!

حاولـت النيــام لكي أستبق الزمن فلم أفلــح، حاولـت التحدث مع من كـان يجلس الى جانبي ولــم أشــعر بحلاوة الحديث لإن الإنتظـار كـان مُرّاً، حــاولت قـراءة بعض المجـلات  ولـم أسـتطع حيث كنت أشـاهد الأهـل والأحباب يلوحـون بإيديهـم من بين الحـروف وعلى صفحات المجلة، وبعـد عــ، من جنان الله. وبعلبك ولا قصر بيت الدين ولا تلك الإبتسامات على وجوه الناس وكأنهم يعيشون في جنةٍ أميد الميلاد في جونية ولا رحلراك طويــل بيــن الإنتظــارالمُر  واللقــاء الحلو    وصلنــا الى مشارف لبنان ولحسن الحظ كان مقعدي قرب النافذة، فـي  الجهة اليسرى مـن  الطائرة.

يا الهي! ها هو لبنان، صرخت روحي، ما هذا المنظر الجميل الذي يبـدو كلوحـة زيتيـة لفنـان عظيم! ها هـو المتوسـط يغسل أقدام الوطن، وها هي أرض جبران وفيروز وطفولتي، يا الهي إني أرى الجبل يعانق بيروت، أرى السيارات في الشوارع... ها هي الطائرة تقترب من المطار وها هـو المدرج يفترش نفسـه لإستقبالها... و بعـد  ثــوان طويلـة  هبطت الطائرة، فأنفجرت في حنجرتي غصّة عمرها ثلاثين عاماً وأختفت خيفًة من غضبة الوطن.

 

ها نحن في مطار رفيق الحريري الدولي، إنه مطار جميل، يضاهي جمال معظم مطارات أميركا وأوروبا، وفجأة،  بين الدهشة والواقع، أرى بعض المسافرين يدخنون قرب لوحـة كتب عليها "ممنوع التدخين"، حاولـت عيناي ردعهـم عن عملهم اللامكترث  فلم يمتثلوا...

أذكـــر بأنني شـاهدت هــــؤلاء المسافرين فـي مطـار بوسـطن ومطـار هيثـرو، لا، لا أذكــر أننـي شـــاهدتهم يدخنـون هناك، وهنـا تساءلت: "أيجـوز أن نحترم قوانيـن التدخين في تلك البــلاد ونضرب بعـرض الحـائط قوانين الوطن فقط لأن الوطن الأم يغفر لنا خطايانا؟

"أهلاً وسهلاً" هكذا إستقبلني موظف الأمن العام، اه وما أجملها من كلمة ترحـيب! ها هو يدقق في باسبوري الأميركي ثم يسألني : "الأخ لبناني"؟ لم أجب للتوّ عليـه حيـث كنت شــارداً بجماليـة السـؤال فعـاد ليسـألني "الأخ لبنانـي؟ " نعم" ، بأعلـى الصـوت أجبت، "أنـا لبناني، أنــا مـن لبنـان" فإبتسـم.

كـانت أحشـائي تتوسـل الى هـذا الموظف لكـي يختـم الباسبور، عينــاي تتوسـل اليـه لكـي يســرع، فالأحباب ينتظـرون في الخارج... اهٍ إنـي أرى الأحبـاب، هاهـم الأحبـاب، هـا أنـا في أحضانهـم وها هـم في أحضانـي وما أجمـل اللقــاء! فبين حافتـي الشـوق واللقـاء غـدوت روحـا ً تنساب مـن دون جسد، حاولت تحسس جلــدي فلم أشـعر به إلاّ بعد أن أيقظتني تلك اليد الحنونة.

 

إسـتقلينا سـيارتنا نـحو البيت. بيـن الأسـئلة العديـدة عن الحـال والأحـوال كنت أسترق النظرات الى الخارج، الشوارع مزدحمة بالناس والسيارات، و"ورشات العمار" كأنها في تسابق مع الزمن، إنهـا علامـة مـن علامـات الحيــاة، هاهو بائع الكعـك وعلى ذاك الرصيف بائـع "عرانيس الذرة" المسلوقة والكستناء المشوية، هنا أشـاهد بعض الصبية يلعبون كرة القدم وهناك أشاهد بائعي الخضار ينادون بأعلى أصواتهم "بندورة جبلية" وما أجملها من أصوات...

لـم اذق النـوم تـلك الليلـة، لا، ليـس لأن الفـراش غيـر مريـح، بل لأن الأحبـاب لـم يشـفقوا على جسدي المنهك ولم يعطوني فرصة للراحة...

في الأسـبوع الثاني، كـان موعدي مع شوارع بيروت، حاولت الإلتزام بقوانين السير ولكن أعين السائقين كانت تنظر الي وكأنها تقول "من أية مجرّة أنت"! لـم أكترث لصراخهم وقررت الإلتزام بقوانين السير، وما هي إلا أيام معدودات حتى وجدت نفسي منتظراً عند إحدى الإشارات الضوئية وحيـداً والجميع يدهش لأخلاقــي " الغربية". لم يمض وقت طويل حتى غـدوت واحداً منهم، أُحسـن إستعمال "الزمور" الـلاذع حتى مـن دون ســـبب و"أطاحش" على كل تقاطع مررت به، وأتحاشى بتقنية ماهرة كل "ألجور" التي قبلتها عجلات سيارتي خلال الأسبوع الأول.

أما الكهرباء فحدّث ولا حرج، تروح وتجيء سـاعة تشاء  دون إستئذان وكـأن مفاتيــح البيت في يدها، غير عابئة إن كنّا نقرأ أو نطهو... هنـا غـدت الشمعة سيدة الموقف، تنتصب بقامتها الهيفـاء وعلى رأسها تـاج يشتعل عطاءً ويقذف الضوء بكل إتجاه فتذيب الشمعة نفسها بنفسها كما كانت أرواحنا تذوب ببعضها البعض.

ناهيـك عـن "كانون الفحم" ذاك الصديق الحميم ، لازال كمـا تركتـه منذ ثلاثيـن عامـاً،

يعطي دون منّة، يجتمع حوله أهل البيت فيجلس بوقار شيخ الدار، يستمع الى حكاياتهم دون مـلل، ينفخ في قلبـه المتوهج حبـاً ليبعث الدفء  دون تفرقة، وكم شربنا على وهجه الشاي معتصراً من وجنات الأحباء.

أعترف بأنني لعبت الورق مراراً ، أمّـا عروسة السـهرة فكانت على الدوام لعبة "الليخة" دون منازع. وقد  لفت نظري  إهتمام الجميع بالـربح والخسـارة، فكـم علت أصواتهـم وتشنجت شراييـن أعناقهــم عنـد الخسـران، حتـى ان إحــدى أحبّائي المعهودة بالـــود والوقـــار لـم تـردع ســـهام عينيهــا عن جسـدي بسبب  ضعفي "الليخوي"، تماماً كما كان يفعل أستاذ المدرسة عند إهمالي  الوظائف المدرسية.

أنتَبَهَتْ تلك السـيدة لقسـاوة عينيهـا فتقدمتْ مني بالإعتذار، لم يكن إعتذارها بكلمات معهودة بل بدعوتها لي الى أكلة "الكبــة" على طريقتهـا، وهكـذا ولأول مرة منـذ ثلاثين سنة أتناول الكبة مباشـرة من على "البلاطة" التي لـم تأنّ مـرّة من تهافت ضربات "المدقة" على صدرها الحجــري، بل معـاً كانتــا بمثابة فرقـة موسيقية انستْ بها أذناي ورقص على ألحانها قلبي وغنّى لها رغيف الصاج الطازج.

الجميـع يتـحدث  بالسياسـة، كـــل منهـم يلّـم بتفاصيـل ما جـرى ومـا يجــري ويتنبـأ بالـذي سـيحصل وبمـا لا يحصـل، يشـرح ويفّنـد كل كلمــة وكل حدث... بطالـة؟ أية بطالة؟ لايوجد في لبنان بطالة، الكل يعمل في دائرة السياسية برتبة "محلل سياسي" ولكن دون راتب.

حفـلات الزجـل الشـعبي في السهرات العـائلية وسيلة حميمية أخرى للترفيه عن النفس بعد كل ما جرى ويجري من الأغتيالات وفقدان الأمن وإرتفاع الأسـعار، الكـل ينظـم الزجـل حتى الذيـن بينهم وبين الشعر الموزون مسافات كانوا يحاولــون نظمه على طريقتهـم الخاصـة ومـا أجملهـا مـن بـراءة، حتى أنـا كـان لـي نصيبُ من حفلاتهم الملأى بروح الأخوية  والحب فقلت لإحداهن عندما شكت  وجع رأسها:

الأّخـات بقلبـي بـ توعـا                          كل ما شفتك موجوعا

لو كانت اّخـــك بالصين                          بتبقى بقلبـي مسموعا

إن أنس لا أنسى رحلتنـا الى قلعـة بعلبـك حيث تعلّمـت  أن "عيد البربـارة" إبتـــدأ  هناك حينما أبت بربارة إلاّ أن تتحدى أباهـا الرومانـي وتعتنق المسيحية رافضة عبـادة الإلـه جوبيتر، ولا أنسـى سـهرتنا حتى الصبـاح فـي مطعم "البركة" في منطقة النقّاش، ولا زيارتنا الى قلعة صور البحرية ولا طعم الحلوى والذكريــات في صيدا ولا أضواء عيد الميلاد في جونيـة ولا رحـلات الصيـد في جرجوع وبعلبـك ولا قصـر بيت الديـن ولا تـلك الإبتسامات على وجـوه النـاس وكأنهم يعيشون في جنةٍ  من جنان السماء

تسـعين يومـاً قضيتها في لبنان بين الأهـل والأصدقـاء، لـم أذق النوم سوى ساعات معدودات، رحلتي هذه علمتني الكثيـر، علمتني أن الـوطن عزيز رغـم كل ملاحظاتنـا العفويـة،  الكـل  سـواسيـة في عينه ،فهو لا يعـرف للكـره مكاناً ولا للطائفية موضعاً.

مئـة طعنـة في خاصـرة الوطـن والوطـن لايـزال يحمدالله ، مئة صرخة في وجه الوطن والوطن لايزال يبتسم، الوطن يرقص على حافة سكين و أفضّل أن أُذبح بسكينه بدلا من أعيش بامان في دنيا الإغتراب.

                                   

                                                            

 


Adidas Gazelle pulseras pandora zapatillas converse ropa hollister Zapatillas puma zapatos jordan nike shox nike air max mujer joyas tiffany nike huarache polo ralph lauren Zapatillas adidas air max zapatos louis vuitton Adidas Superstar Zapatos adidas zapatos christian louboutin bolsos michael kors nike air max nike roshe


Website created and hosted by Reggie's PC Resources, LLC