Go Home

رســالــة مــن ولــدٍ الــى والــد

<<Back

By: واصــف مقلّــد  



Page 37 Profile News USA Edition May-08 بروفايل نيوز
رســالــه مــن ولــدٍ الــى والــد!

والدي الحبيب،

لازلت أشعر بعينيك الزرقاوين تلاحقني لتغمرني أبّوة، تُنهيني عن فعل هذا وتحثني على عمل ذاك، ولا زلتُ أسمع صوتك الدافئ كل ليلة قبل أن استسلم لملاك السهاد، ولازلت ألجأ اليك على كل مفترق قرار وأتساءل:"كيف يتصرف والدي لو كان بنفسه في مثل هذا الموقف؟".

نعم يا والدي، لازلتُ أذكر وصيتك التي لم أفهم جوهر أسرارها ذلك اليوم، يوم أوصيتني ببناء منزل في الوطن وبالتحديد في بستانك الجنة "الخلّة".

أعترف بأنني لم أعِ يومها العمق الفلسفي والوجداني لوصيتك. اعتقدت بأن المنزل عبارة عن جدران ونوافذ، تحيطه أشجار التين والزيتون، ويقينا حرّ الهجير وبرد الشتاء، فيه ننام بينما "المتوسط" سهران ينتظر انبلاج الصباح ليغسل فناجين قهوتنا الصباحية.

كنت أعتقد أن البيت غرفٌ وزوجة وأولادٌ واليوم أدري أنه روح وعاطفة ورفيقة درب وفلذات أكباد.

الآن أعي وصيتك وأراها واضحة وضوح شمس تموزية عند الظهيرة، الآن أفهم أن المقصود من بيت في الخلة هو حرصك على اتصالية وديمومة آمالك وأحلامك، وكذلك الحرص على اتصالي بالأرض والشعب بعد أن نسجت لي الغربة عباءة من خيوط "الحضارة" الحريرية، و"أغنت" لغتي بالمصطلحات الغريبة، وأبطأت "عجلة" لساني عند النطق ببعض الأحرف العربية...

الآن أعي وصيتك الفلسفية!

لقد لخّصتَ يا والدي كل كتب الفلسفة الإجتماعية والوجدانية ببضع كلمات "إبنِ بيتاً في لبنان"، كنت تريدني أن أصل الروح والجسد بالوطن، وأن أبقى على صلة مع القرية التي ولدت وترعرعت فيها، فصقلتني إنساناً وتصرفات وأماني وأحلاماً، ومع العائلة التي تربيت تحت جناحيها، ومع "وطن النجوم" الأمثل، ومع الخلة التي كانت بستاناً معطاءً من الخضار والأثمار والإلفة والمحبة.

أتذكُرْ يا والدي كم من المرات استضافتنا تلك السنديانة تحت أغصانها؟ وكيف كانت تقذف الظلال وتوزع نسيمها؟ أتذكر ذلك العرزال البيت الذي كنّا نلهو داخله صغاراً ونستمع الى حكاياتك عن صيد الحجل في "حرف السكر" والوادي؟ أتذكر دالية العنب على تلك الشجرة والتي كانت تعصر عنبها كأس مدام ليثمل العرزال ويأكل الأولاد؟

الآن أفهم وصيتك، أشعر بها وأتحسسها، تنساب في أحشائي، تداعب ظنوني، وتنعش آمالي، وتحثني على العودة الى الوطن.

أنت لم تكن تريدني أن أبقى على اتصال بالوطن وحسب، بل كنتَ أيضاً تريد من ولديّ اللذين ولدا وترعرعا في ديار الغربة أن يبقيا على نفس الاتصال ويكون لهما بيت في لبنان، وبهذا ترتاح روحك الطاهرة لاستمرار التواصل الروحي مع الوطن، هذا ما ورثتَهُ أنت عن والدك وأورثته لي ولأولادي من بعدي.

ولكن يا والدي في الحنجرة غصّة ترافقني مرافقة الظل لتلك السنديانة عند الظهيرة، أخشى من الوضع الأمني ومن المجهول ومن المصير ومن السياسيين يا والدي.

لا زال الوطن كما تركته حين رحيلك عنّا، الكل يشدّ بأطراف عباءته بحجة حب الوطن وكأن الحب يُقتسم... السياسيون يقيمون الحواجز عند مداخل ظنوني لكي يفتشوا أحلامي ويحتجزوا كل أفكار العودة، وكلما هممت للعودة والبدء ببناء المنزل الوصية تطلّ علينا "مبادرة" جديدة فأتنفس الصعداء، ولكن سرعان ما تصفعني المبادرة على وجهي مدّعية بأن أحلامي قد صفعتها، ثم ترميني بسهام لاهية وتدّعي بأنها ابتلت بدماء آمالي.

"المبادرات" تكبّل يديّ يا والدي وترميني في سجن الانتظار كلما هممت للعودة.

يا له من عار! أفلا يعلمون أن الحلم يحطم سجون الانتظار؟

في هذا الزمن يا والدي نحن بحاجة الى حب الوطن وليس الادّعاء. الحب الصافي يحمل في رحمه وطناً للجميع والادعاء إجهاض يبكي الوطن.

سأبقى يا والدي أحلم، حُلمك حلمي، الحلم دأب وعزيمة وإرادة، الحلم سلاح يمطر الطلقات من دون رصاص، والحلم سلاح يمشي بلا قدم، وسأبني بيتاً في الخلة مع رفيقة دربي مهما طال الزمن.

 

Adidas Gazelle pulseras pandora zapatillas converse ropa hollister Zapatillas puma zapatos jordan nike shox nike air max mujer joyas tiffany nike huarache polo ralph lauren Zapatillas adidas air max zapatos louis vuitton Adidas Superstar Zapatos adidas zapatos christian louboutin bolsos michael kors nike air max nike roshe


Website created and hosted by Reggie's PC Resources, LLC