Poems From Jarjouh

الصديقـــة الخائنـــة

واصــف مقلّــد

"
Page 32 Profile News USA Edition Sept-09 بروفايل نيوز

الصديقـــة الخائنـــة

                         

ما أجمل صديقتي!

تنهض معي كل يوم وتسبقني الى كرسيّ المفضّل لتقدّم لي قهوتي الصباحية.

منذ سنين تصادقنا، أيام كنت طالباً في مدرسة القرية، تنام وتصحو معي وأصطحبها الى كل مكان. ما من مرة هممت لتقبيلها الا واشتعلت ابتهاجاً وسعادة، ولكن الخائنة، وما ان أغضّ الطرف عنها، حتى أراها في أحضان الأخرين وكأن في الخيانة اكتمال وديمومة.

بالرغم من خيانتها الصارخة أعود وأستقبلها، كيف لا وهي صديقتي ومصدر أنسي، أخبئها تحت معطفي في جوار قلبي مخافة أن يراها أحد فيقاسمني سعادتي.

ليس كجمالها جمال! ردينيّة القدّ ناعمة الملمس، شقراء الشعر وبيضاء البشرة، ما من مرة قبّلتها الا وذابت بين شفتيّ قرباناً على مذبح النشوة، ولم أناجها مرة الا ووجدتها بين أصابعي تختال كنسمة ربيعية بين أغصان الشجر، ولم أداعب جسدها العاري مرة الا وتحوّلت ضبابة ناعمة في وادي النشوة. تبتسم لي كلما شهقْتُ، ثم تنساب الى أحشائي لإكمال بناء بيتها العنكبوتيّ، والأستفراد بأعضاء جسدي مخافة أن يفلت من خيطانه واحد.

أشعر أن صديقتي وُلدت لتسعدني دون سواي! ما إن أراها في أحضان الآخرين حتى تشرئبّ عيناي ويختلجني الحسد وتتسابق نبضات قلبي ، أمسك بشعرها وأرميها على الأرض فأدوسها، أصرخ في وجهها وأتحدّاها، وما إن تبتسم حتى يرق قلبي، أعود فأحتضنها، أشمّ رائحة جسدها فيتوغل شذاها الى أعماق صدري، تلك هي صديقتي السيجارة.

كم مرة طردتها ولم تمتثل! أنا لا أشتهي طعمها بل آنس بأنوثتها واصطحابها، ألجأ اليها في فرحي وترحي، أشعل رأسها وكأن في ألمها سعادتها وسعادتي، أنفث دخانها وأراقبه يندثر أمامي لتندثر هموم الدنيا في أحشائي. ألجأ اليها عندما أقرأ وحين أكتب فتزهر الحقول الصامتة في قلمي، تفترش جسدها قاموساً على صفحة دفتري وتحملني على جناح دخانها الى عالم الغروب لأشيّع الشفق وحيداً.

يبدو أن صديقتي ليست بصديقة! كنت أحسب أنها تقدم لي خدماتها فقط من أجل إسعادي، كنت أجهل أن الخائنة تتقاضى ثمن خدماتها سراً، تسرق بعض أنفاسي، وتحتل بالرغم مني خلايا جسدي، وتقتات أطيب الأثمار من شجرة عمري.

آه من تلك الخائنة! وآه من أولئك الهنود الحمر الذين كانوا سبب وجودها، وآه من كولومبس الذي اصطحبها الى أوروبا مكرّمة، وآه من السفير الفرنسي لدى البرتغال سنة 1560 الذي أهداها للملكة كاترين فعزز مكانتها. وَيْحَكم جميعا! أما آن الأوان أن تثور قبوركم على رفاتكم وتنصهر قلوبكم  دواءً يخرج هذا العنكبوت من صدري؟

                                             

 
"